فخر الدين الرازي

138

تفسير الرازي

فقال إلى الله أكلكم ، قالت آلله أمرك بهذا ؟ قال نعم : قالت إذن لا نخشى . ثم قال : * ( وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ) * وفيه قولان : أحدهما : أنه كلام الله عز وجل تصديقاً لإبراهيم عليه السلام كقوله : * ( وكذلك يفعلون ) * ( النحل : 34 ) والثاني : أنه من كلام إبراهيم عليه السلام يعني وما يخفي على الذي هو عالم الغيب من شيء في كل مكان ، ولفظ " من " يفيد الاستغراق كأنه قيل : وما يخفى عليه شيء ما . ثم قال : * ( الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق ) * وفيه مباحث : البحث الأول : اعلم أن القرآن يدل على أنه تعالى إنما أعطى إبراهيم عليه السلام هذين الولدين أعني إسماعيل وإسحق على الكبر والشيخوخة ، فأما مقدار ذلك السن فغير معلوم من القرآن وإنما يرجع فيه إلى الروايات فقيل لما ولد إسماعيل كان سن إبراهيم تسعاً وتسعين سنة ، ولما ولد إسحق كان سنه مائة واثنتي عشرة سنة وقيل ولد له إسماعيل لأربع وستين سنة وولد إسحق لتسعين سنة ، وعن سعيد بن جبير : لم يولد لإبراهيم إلا بعد مائة وسبع عشرة سنة ، وإنما ذكر قوله : * ( على الكبر ) * لأن المنة بهبة الولد في هذا السن أعظم ، من حيث إن هذا الزمان زمان وقوع اليأس من الولادة والظفر بالحاجة في وقت اليأس من أعظم النعم ، ولأن الولادة في تلك السن العالية كانت آية لإبراهيم . فإن قيل : إن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء عندما أسكن إسماعيل وهاجر أمه في ذلك الوادي ، وفي ذلك الوقت ما ولد له إسحق فكيف يمكنه أن يقول : * ( الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق ) * . قلنا قال القاضي : هذا الدليل يقتضي أن إبراهيم عليه السلام إنما ذكر هذا الكلام في زمان آخر لا عقيب ما تقدم من الدعاء . ويمكن أيضاً أن يقال : إنه عليه السلام إنما ذكر هذا الدعاء بعد كبر إسماعيل وظهور إسحق وإن كان ظاهر الروايات بخلافه . البحث الثاني : على في قوله : * ( على الكبر ) * بمعنى مع كقول الشاعر : إني على ما ترين من كبري * أعلم من حيث يؤكل الكتف وهو في موضع الحال ومعناه : وهب لي في حال الكبر . البحث الثالث : في المناسبة بين قوله : * ( ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء ) * وبين قوله : * ( الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق ) * وذلك هو كأنه كان في قلبه أن يطلب من الله إعانتهما وإعانة ذريتهما بعد موته ولكنه لم يصرح بهذا